ابن الجوزي
136
صفة الصفوة
ثم قال : رحمك اللّه يا فلان ، ثم تقدّم إلى آخر فقال مثل ذلك ، فعل ذلك بسبعة من القبور ثم قام قائما بين تلك القبور فنادى يا فلان يا فلان ، بأعلى صوته ، لقد متّم وخلّفتمونا ونحن بكم سريعا لاحقون . ثم بكى وغرق في فكره ثم رجع بعد ساعة فأقبل إلينا بوجهه ، ودموعه تنحدر كاللؤلؤ الرطب وقال : إخوتي ، عليكم بالمبادرة والجدّ والاجتهاد ، سارعوا وسابقوا فإنّ نعلا فقدت أختها سريعة اللّحاق بها . شقيق بن إبراهيم قال : بينا نحن ذات يوم عند إبراهيم بن أدهم إذ مرّ به رجل فقال إبراهيم : أليس هذا فلان ؟ فقيل : نعم . فقال لرجل : أدركه فقل له قال لك إبراهيم : لم لم تسلّم ؟ فقال له ، فقال : واللّه إن امرأتي وضعت وليس عندي شيء ، فخرجت شبه المجنون ، قال : فرجعت إلى إبراهيم فقلت له ، فقال ؛ إنّا للّه ، كيف غفلنا عن صاحبنا حتى نزل به هذا الأمر ؟ وقال : يا فلان إيت صاحب البستان فاستسلف منه دينارين ، فادخل السوق فاشتر له ما يصلحه بدينار ، وادفع الدينار الآخر إليه . فدخلت السّوق فأوقرت « 1 » بدينار من كل شيء وتوجهت إليه فدققت الباب فقالت امرأته : من هذا ؟ قلت : أنا ، أردت فلانا . قالت : ليس هو ههنا . قلت : فمري بفتح الباب وتنحّي . قال : ففتحت الباب فأدخلت ما على البعير وألقيته في صحن الدار وناولتها الدينار . فقالت : على يدي من بعث هذا ؟ فقلت : قولي على يد أخيك إبراهيم بن أدهم . فقالت : اللهم لا تنس هذا اليوم لإبراهيم . قال شقيق : وقلت لإبراهيم : يا إبراهيم تركت خراسان . فقال : ما تهنّيت بالعيش إلا في بلاد الشام ، أفرّ بديني من شاهق إلى شاهق ، ومن جبل إلى جبل ، فمن يراني يقول : هو موسوس ، ومن يراني يقول : هو جمّال ، ثم قال لي : يا شقيق لم ينبل عندنا من نبل بالحجّ والجهاد إنما نبل من كان يعقل ما يدخل جوفه ، يعني الرغيفين ، من حلّه ، يا شقيق ما ذا أنعم اللّه على الفقراء ؟ لا يسألهم يوم القيامة لا عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم ، إنما يسأل هؤلاء المساكين ، يعني الأغنياء .
--> ( 1 ) أكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار والوسق في حمل البعير ، يقال : أوقرت النخلة : كثر حملها .